عبير الروح
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

عبير الروح

فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 كيف تُجري الحيوانات عمليات مقايضة فيما بينها

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tousman

tousman


عدد المساهمات : 650
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

كيف تُجري الحيوانات عمليات مقايضة فيما بينها Empty
مُساهمةموضوع: كيف تُجري الحيوانات عمليات مقايضة فيما بينها   كيف تُجري الحيوانات عمليات مقايضة فيما بينها Emptyالسبت مايو 14, 2011 4:09 am

يشترك البشر والحيوانات الأخرى في تراث من الميول الاقتصادية،
يشمل التعاون ورد الجميل إلى أهله ورفض أن تُبخس حقوقها في التبادلات.

لن يكون مكتبي خاليا لفترة طويلة لو أنني تركته، كذلك الأمر بالنسبة إلى الممتلكات في الطبيعة، فملكيتها تتغير باستمرار. وتتراوح المساكن الممكنة من نقر تثقبها نواقر الخشب woodpeckers إلى أصداف فارغة على الشاطئ. وخير مثال نمطي لما يطلق عليه الاقتصاديون «سلسلة الشواغر» vacancy chain هو سوق الإيواء housing market بين حيوانات السرطان الناسك. فكل سرطان يحمل بيته أينما ذهب لحماية بطنه الرخو، وعادة ما يكون هذا صَدَفة مهجورة لحيوان من البطنقدميات (الحلازِن). والمشكلة هي أن السرطان ينمو، في حين لا ينمو بيته، ومن ثم تكون هذه السرطانات في بحث دائم عن بيوت جديدة؛ وفي اللحظة التي تنتقل فيها إلى صدفة أوسع، تكون سرطانات أخرى بانتظار دورها لشغل الصدفة الخالية.

ونستطيع هنا أن نرى بسهولة تطبيق قانون العرض والطلب، ولما كان هذا القانون يطبق هنا على مستوى غير شخصي إلى حد ما، فإن قليلين هم الذين ينظرون إلى نموذج السرطان كنموذج ذي علاقة بالمعاملات الاقتصادية البشرية. وستكون تآثرات السرطان أكثر إثارة لو أن الحيوانات عقدت صفقاتها بأسلوب: «يُمكنك امتلاك منزلي لو أعطيتني في المقابل تلك السمكة الميتة.» والسرطانات الناسكة ليست من عاقدي الصفقات، وفي الحقيقة ليس لديها شعور بتأنيب الضمير عند طردها مالكي مسكن بالقوة. بيد أن حيوانات أخرى أكثر اجتماعية تتفاوض فيما بينها. ومقاربة هذه الحيوانات في تبادل الموارد والخدمات تساعدنا على فهم كيف نشأ السلوك الاقتصادي البشري، ولماذا؟


اقتصاديات جديدة


ينظر علم الاقتصاد المعهود إلى الناس على أنهم حريصون على تحقيق أقصى قدر من المنفعة لأنفسهم، تدفعهم إلى هذا أنانية مطلقة. وقد صاغها في القرن السابع عشر الفيلسوف الإنكليزي <T.هوبس> هكذا: «يُفترض أن كل فرد يبحث لنفسه فطريا ومن دون قصد عما هو نافع له؛ أما بحثه عما هو عادل فلا يأتي إلا ابتغاء السلامة وعرَضا.» وفي حدود هذا الرأي الذي مازال سائدا، لا يكون هذا السلوك إلا فكرة تالية أو «عقدا اجتماعيا» طرقه أسلافنا بسبب منافعه وليس بسبب انجذاب بعضهم لبعض. وبالنسبة إلى البيولوجي، يحيد هذا التاريخ الخيالي، إلى أبعد حد، عن الحقيقة. لقد انحدرنا من سلسلة طويلة من الرئيسات التي تعيش في جماعات؛ وهذا يعني أننا زُودنا فطريا برغبة قوية لأن ننتظم في جماعة، وأن نجد شركاء نعيش ونعمل معهم. وهذا التفسير التطوري لسبب تآثرنا على الوجه الذي نفعله، يكتسب حاليا نفوذا بفضل ظهور علم جديد، يعرف بعلم الاقتصاد السلوكي behavioral economics والذي يركز على السلوك البشري الفعلي أكثر منه على قوى السوق المجردة كدليل على فهم كيفية صنع القرار الاقتصادي. وقد حظي هذا العلم بتقدير خاص في عام 2002 وذلك باقتسام اثنين من مؤسسيه، وهما <D.كاينمان> و<L.V.سميث>، جائزة نوبل.

إن علم اقتصاد السلوك الحيواني مجال بِكر يقدم دعما للنظريات الجديدة بإيضاح أن الميول الاقتصادية الأساسية والاهتمامات البشرية ـ مثل التبادلية واقتسام المكافآت والتعاون ـ لا تقتصر على البشر. فمن المحتمل أنها نشأت في حيوانات أخرى للأسباب نفسها التي نشأت فينا، وذلك لمساعدة الأفراد على الحصول على أفضل المنافع بعضهم من بعض من دون تقويض للاهتمامات المشتركة التي تدعم حياة المجموعة.


ولنتخذ حدثا جديدا تم خلال إجراء أبحاثي في مركز يركس القومي لأبحاث الرئيسات بأتلانتا. لقد دربنا قرود كاپوشين على أن تصل إلى آنية طعام بسحب قضيب متصل بحامل آنية الطعام. وجعلنا الحامل أثقل وزنا مما يقدر عليه فرد واحد، حتى نوجد سببا يدفع القرود إلى التعاون.

في إحدى المرات، تم السحب بوساطة القردتين <بِيا> و<سيا>. ولوجودهما في قفصين متلاصقين، نجحتا في جعل الحامل وعليه آنيتا الطعام في متناولهما. ولكن القردة <سيا> كانت متعجلة في حصد جائزتها إذ حررت القضيب وانتزعت آنية طعامها قبل أن تحصل القردة <بيا> على طعامها. وارتد الحامل للوراء بعيدا عن متناول القردة <بيا>. وفيما كانت القردة <سيا> تمضغ طعامها بصوت عال، انتابت القردة <بيا> نوبة غضب، وأطلقت صيحة بملء أنفاسها لنصف دقيقة إلى أن اقتربت القردة <سيا> من قضيب السحب مرة ثانية، ثم ساعدت القردة <بيا> على أن تُقرِّب الحامل مرة ثانية. ولم تقم القردة <سيا> بذلك لمصلحتها الخاصة، لأن آنية الطعام المتاحة لها كانت خالية.


ويبدو أن السلوك التصحيحي للقردة <سيا> كان استجابة لاحتجاج القردة <بيا> بسبب فقدانها مكافأة متوقعة. ويأتي مثل هذا الفعل أكثر قربا للصفقات الاقتصادية البشرية منه لحيوانات السرطان الناسك؛ لأنه يوضح تعاونا واتصالا وتحقيقا لمطلب متوقع، بل ربما إحساسا بالالتزام. ويبدو أن القردة <سيا> كان عندها إحساس بموقف المبادلة أو المقايضة، أو أخذ شيء ما مقابل إعطاء شيء آخر quid pro quo. وهذا الإحساس ليس مفاجأة، إذا علمنا أن حياة الجماعة لقرود كاپوشين تدور حول هذا المزيج نفسه من التعاون والتنافس الذي يميز مجتمعاتنا البشرية.


تطور التبادلية


يحدث أحيانا، في الحيوانات والبشر أن يساعد الفرد الآخر من دون أي فوائد واضحة تعود على الفرد المُعِين. كيف نشأ مثل هذا السلوك؟ تكون إجابة هذا السؤال سهلة نسبيا لو أن المساعدة قد قُدمت لفرد من العائلة. ويتعرف البيولوجيون الميزات الوراثية لتلك المساعدة: إذا عاش قريبك، ازدادت أرجحية أن تجد جيناتك طريقها إلى الجيل التالي. لكن التعاون بين أفراد من غير ذوي القرابة يوحي بأنه لا توجد ميزات وراثية عاجلة. ولقد قدم الأمير الروسي <P.كروبوتكن> تفسيرا مبكرا لذلك في كتابه «المساعدة المتبادلة» الذي نشر عام1902، وكانت حجته في ذلك هي أنه إذا كانت المساعدات جماعية كان أمام جميع الأطراف فرصة للكسب ـ وتزداد فرص كل فرد للبُقيا. ولكن كان علينا أن ننتظر حتى عام 1971 ليصوغ <L.R.تريفرز> [الذي كان حينها في جامعة هارفرد] القضية بمصطلحات تطورية حديثة مع نظريته عن الإيثاريةaltruism التبادلية.

وكان <تريفرز> يقول بأن تقديم تضحية للآخر يكون مجزيا لو أن الآخر رد المعروف. ويمكن اختصار التبادلية في: «سأحك ظهرك بأظافري إذا فعلت أنت ذلك بظهري.» هل تُظهر الحيوانات مثل هذه المقايضة «واحدة بواحدة» tit for tat؟ تكوّن القرود والقردة العليا تحالفات فيما بينها، حيث يتحالف قردان أو أكثر على ثالث. ولقد وجد الباحثون علاقة إيجابية بين كم مرة يدعم القرد (A) القرد (B) وكم مرة يدعم القرد (B) القرد (A). لكن هل يعني هذا أن الحيوانات تستطيع حقيقةً تتبع الخدمات المقدمة منها أو التي تتلقاها؟ إن الأمر قد لا يعدو أنهم يقومون بتصنيف العالم إلى «لارفقاء» buddies هم الذين يفضلونهم و«لارفقاء» لا يعيرونهم إلا قليل الاهتمام. فإذا كانت هذه الأحاسيس متبادلة، فإن العلاقات ستكون إما نافعة تبادليا وإما غير نافعة تبادليا. ويمكن لمثل هذه المتماثلات أن تفسر التبادلية التي وصفت في الأسماك والخفافيش مصاصة الدماء (التي تتقيأ الدم لرفقائها) والدلافين وكثير من القرود.


ومجرد كون هذه الحيوانات قد لا تستطيع تتبع مسار الخدمات المقدمة لا يعني أنه ينقصها التبادلية. والقضية على الأرجح هي كيف أن الخدمة المقدمة للآخر تعود للمُؤْثر غيرَه altruist الأصلي. ما هي بالضبط آلية التبادلية؟ حفظ السجل العقلي هو مجرد إحدى الطرق لجعل التبادلية تعمل، وما إذا كانت الحيوانات تفعل هذا يبقى قيد الاختبار. وحتى الآن الشمپانزات هي الاستثناء الوحيد، حيث هي في البرية تصطاد في مجموعات لاقتناص قردة كولوبوس. تقتنص إحداها عادة الفريسة، ثم تمزقها وتتقاسمها. ومع ذلك، لا يحصل كل شمپانزي على قطعة، بل حتى أعلى الذكور منزلة قد يستجدي الطعام من دون جدوى إذا لم يشارك في الصيد. ويوحي هذا ذاته بالتبادلية؛ إذ يبدو أن القناصة تستمتع بأولويتها خلال توزيع الغنائم.

وفي محاولة لمعرفة الآليات الفعالة هنا، استثمرنا ميل هذه القرود لأن يشارك بعضها بعضا ـ وهذا ما تظهره أيضا وهي في الأسر ـ بتسليم أحد الشمپانزات في مستعمرتنا بطيخة أو بعض الفروع المورقة. والحائز لهذه المنحة يكون في مركز الزمرة المتشاركة، وسرعان ما تتبعها زمر أخرى تحوم حول الأفراد التي نجحت في الحصول على نصيب كبير، ويتوزع الغذاء جميعه على كل فرد. ولم يُسمع من قبل أنه قد حدث بين الشمپانزات محاولة الاستيلاء على غذاء فرد آخر بالقوة، وهي ظاهرة تعرف باسم «احترام الملكية». يمد المتسول منها يده وراحتها متجهة إلى أعلى، بشكل مماثل إلى حد كبير لما يفعله شحاذو البشر في الطرقات. إنها تتذمر وتعوي، لكن المواجهات العدوانية نادرة. ولو حدثت هذه المواجهات، فإن المالك يكاد يكون دائما هو البادئ لجعل فرد ما يترك الحلبة. إنها تضرب المزعجين منهم بشدة على الرأس بفرع كبير الحجم أو تنبح في وجوههم بأصوات صارخة حتى يتركوها وشأنها. ومهما تكن مرتبة المالكين فإنهم يتحكمون في مسار الغذاء.


ولقد حلّلنا نحو 7000 حالة من هذه المقاربات بمقارنة مدى تسامح حائزي أشياء معينة مع من يتسولون هذه الأشياء كرد على خدمات سبق أن تلقوها منهم. وقد كان لدينا سجلات تفصيلية عن التفلية grooming التي تحدث بين الحيوانات صباح أيام كنا نخطط فيها لإجراء اختبارات غذاء. فمثلا إذا كان الذكر السائد <سوكو> قد فلّى الأنثى <ماي>، في الصباح فإن فرص حصوله بعد الظهيرة على بعض الأغصان منها سوف تزداد كثيرا. وقد ثبت أن هذه العلاقة بين سلوك الماضي والحاضر هي علاقة عامة، ولا تستطيع روابط التماثل أن تفسر هذه النتيجة، لأن النمط يختلف من يوم إلى آخر. ودراستنا هذه كانت أول دراسة في عالم الحيوان توضح عمليا ارتباط ما يُتلقّى وما يُقدم من خدمات. إضافة إلى ذلك، فإن صفقات تقديم الغذاء مقابل التفلية هذه محددة بالشريك، بمعنى أن تسامح القردة <ماي> أفاد القرد <سوكو>، الذي فلاّها، وليس أي قرد آخر.


وتتطلب هذه الآلية التبادلية ذاكرة للأحداث السابقة وكذلك «تلوين» الخبرة السابقة بحيث يؤدي ذلك إلى توليد أسلوب ودّي بين متبادلي الخبرة. وفي نوعنا البشري، تعرف عملية «تلوين» الخبرة هذه باسم «العرفان بالجميل» ولا يوجد أي سبب لنطلق عليها شيئا آخر في الشمپانزات، ولكننا مازلنا غير متأكدين ما إذا كانت القردة العليا تشعر بالإحساس بالدَّيْن للآخرين، ولكن ما يثير الاهتمام أن الميل لرد الخدمات ليس هو نفسه في جميع العلاقات. فتكثر الملاطفة بين الأفراد التي تجتمع ويفلّي بعضها بعضا مرات كثيرة، لكن ليس لجلسة واحدة من التفلية أهمية تذكر في الملاطفة. ومن المحتمل أن جميع أنواع المقايضات اليومية تتم بينها من دون تتبع مساراتها، بل عوضا عن ذلك، يبدو أنها تتبع منظومة «الرفقاء» السابق مناقشتها. ولا تبرز التفلية مستحقة بذاتها مكافأة إلا في العلاقات الأكثر بعدا. ولأن القرد <سوكو> والقردة <ماي> لم يكونا صديقين حميمين، كانت تفلية <سوكو> جديرة بالملاحظة.

ويتجلى في سلوك البشر اختلاف مشابه، حيث نكون أكثر نزوعا لتتبّع التعاملات المتبادلة في الأخذ والعطاء مع الغرباء والزملاء عما نفعله مع أصدقائنا وعائلتنا. بل الواقع إن تسجيل هذه التعاملات في العلاقات الوثيقة، كما هي بين الأزواج، يكون علاقة مؤكدة لعدم الثقة.


أسواق بيولوجية

وحيث إن التبادلية تتطلب شركاء، فإن اختيار الشريك يعتبر قضية أساسية في علم الاقتصاد السلوكي. إن إسكان البيوت الخالية عند السرطانات الناسكة أمر بسيط إلى أبعد حد مقارنا بالتآثرات بين الرئيسات، والتي تتضمن العديد من الشركاء التي تتبادل فوائد عديدة مثل التفلية والجنس والدعم في العراك والطعام والعناية بالصغار ونحو ذلك. وهذا «السوق التجاري للخدمات»، كما أطلقت عليه في كتابي «سياسات الشمپانزات» Chimpanzee Politics، يعني أن كل فرد يحتاج إلى أن يكون على علاقات طيبة بالفئات الأعلى ليعزز مشاركات التفلية، بل ليعقد ـ إذا كان طموحا ـ صفقات مع الأفراد الأخرى التي تشاركه هذا التفكير. فذكور الشمپانزات تكوِّن تحالفات لتحدي الحاكم المتسلط، وهي عملية محفوفة بالمخاطر. وبعد تنحية الزعيم، يحتاج الحاكم الجديد إلى أن يحافظ على رِضا مؤيديه؛ فالذكر السائد الذي يحاول احتكار امتيازات القوة، مثل الاقتراب من الإناث، لا يُحتمل أن يحتفظ بوضعه طويلا. ولقد قامت الشمپانزات بذلك من دون أن تقرأ ما كتبه <N.مكيفلي>

فإذا كان كل فرد يبحث عن أفضل الشركاء ويبيع خدماته يصبح إطار التبادلية مسألة عرض وطلب، وهذا هو ما كان تماما في ذهن كل من <R.نو> و<P.هامرشتاين>، [اللذين كانا عندئذ في معهد ماكس پلانك لفيزيولوجيا السلوك في سي فايزين بألمانيا] في نظريتهما عن السوق البيولوجية. وهذه النظرية، التي تنطبق حيثما كان بإمكان شركاء تجارة اختيار من يتعاملون معهم، تقول بأن قيمة البضائع والشركاء تختلف مع إمكانية الحصول عليها. وقد وضّحت هذه النقطة دراستان لقوى السوق: تتعلق إحداهما بسوق الصغار بين قرود البابون، والأخرى خاصة بأداء العمل عن سمك صغير يسمى اللابروس المنظِّف cleaner wrasses.


فمثل جميع إناث الرئيسات تنجذب إناث البابون للصغار بشدة لا تقاوم ـ ليس فقط لصغارها بل أيضا لصغار الآخرين؛ بحيث تطلق أصواتا صديقة (قُباعا يشبه صوت الخنزير) وتحاول لمسها. بيد أن الأمهات من ناحية أخرى، تكون متشددة في حماية ولائدها العزيزة، ولا تسمح لأي فرد بأن يمسها، ولذلك يتحتم على الإناث الراغبة في الاقتراب أن تفلي الأم، فيما هي تختلس النظر للرضيع المتعلق بكتف الأم أو يربض أسفل ذراعها. وقد تستسلم الأم، بعد جلسة تفلية واسترخاء، لرغبة الأنثى الفالِيَة في نظرة عن قرب. وهكذا تشتري الأنثى الأخرى وقت الطفل. وتتنبأ نظرية السوق بأن قيمة الصغار سوف ترتفع إذا قل عددها في موضع ما. وفي دراسة عن قرود بابون الشقمة chacma البرية في جنوب إفريقيا، وجد كل من <L.باريت> [من جامعة ليفربول] و<P.هنري> [من جامعة سنترال لانكشاير] (وكلتاهما في إنگلترا)، أن الأمهات التي تكون في حشد يندر فيه الصغار لديها بالفعل القدرة على كسبِ مقابلٍ أكبر (أي وقت تفلية أطول) مقارنة بأمهات في حشد حافل بالصغار.


أما أسماك اللابروس المنظفة Labroides dimidiatus فهي أسماك بحرية صغيرة تتغذى بالطفيليات الخارجية للأسماك الأكبر حجما. ولكل سمكة منها «محطة» على شعب مرجاني حيث يأتي العملاء (وهي هنا الأسماك الكبيرة) لتبسط زعانفها الصدرية وتتخذ وضعا يعطي فرصة للسمكة المنظفة لأن تقوم بعملها. وتمثل هذه المقايضة مثالا نموذجيا للتبادلية mutualism.


وتقضم السمكة المنظفة الطفيليات مخلصة منها سطح جسم السمكة الكبيرة (العميل) وخياشيمها، بل حتى ما بداخل فمها. وأحيانا قد تكون السمكة المنظفة مشغولة إلى حد أن العميلات (الأسماك الكبيرة) تقف صفا بانتظار دورها. ويوجد صنفان من العميلات: المقيمات والجوالات. وتنتمي المقيمات إلى أنواع لها مناطق إقليمية محدودة، وليس لديها خيار غير أن تذهب إلى منظفتها المحلية. أما الجوّالات، من جهة أخرى، فهي إما أن تكون لها مناطق إقليمية كبيرة وإما أنها ترتحل لمسافات طويلة، مما يعني أن أمامها بضع محطات للتنظيف يمكنها أن تتخير ما تشاء منها. وترغب الجوالات في ألا تطول فترات انتظارها فضلا على تطلّبها خدمة ممتازة وألا تُغَش أو يُحتال عليها. ويحدث الاحتيال عندما تأخذ السمكة المنظفة قضمة من عميلتها لتغتذي بغشائها المخاطي السليم، مما يدفع العميلة إلى القفز والسباحة بعيدا.


وتقوم الأبحاث التي أجراها <B.رِدْوان> [من معهد ماكس پلانك في سيفايسين] أساسا على ملاحظات تجري في الشعب المرجاني، ولكنها تتضمن أيضا تجارب بارعة في المختبر. وقراءة مقالات <ردوان> العلمية تشبه إلى حد بعيد قراءة كتيب لممارسة جيدة للتجارة. فالأرجح أن تجنح الأسماك الجوالة إلى تغيير محطاتها إذا تجاهلتها السمكة المنظفة طويلا أو خدعتها. ويبدو أن المنظّفات تعرف هذا، فهي تعامل الجوّالات بأسلوب أفضل من معاملتها للأسماك المقيمة. وإذا وصلت سمكة جوالة وأخرى مقيمة إلى المحطة في وقت واحد فالذي يحدث دائما ـ تقريبا ـ أن تقدم السمكة المنظفة خدماتها للسمكة الجوالة أولا، فالسمكة المقيمة ليس أمامها مكان آخر تذهب إليه. ولذلك يمكن تركها تنتظر. والفئة الوحيدة من الأسماك التي لا تستطيع المنظفات خداعها هي المفترسات التي تملك استراتيجية مضادة حاسمة، وهي أن تبتلع السمكة المنظفة. لذلك تتوخى الأسماك المنظفة الحكمة في تعاملها مع المفترسات، وبنص كلمات <ردوان> «استراتيجية تعاون غير مشروط.»

وتقدم نظرية السوق البيولوجية حلا رائعا لمشكلة الأنواع المتطفلة free loaders، والتي شغلت البيولوجيين زمنا طويلا لأن منظومات التبادلية الشديدة الحساسية لا تصلح ـ طبعا ـ بالنسبة إلى الأنواع التي تأخذ أكثر مما تعطي. وغالبا ما يفترض واضعو النظريات أن المعتدين يجب أن يعاقبوا، على الرغم من أن هذا مازال محتاجا إلى دليل بالنسبة إلى عالم الحيوان. وعلى العكس من ذلك يمكن التعامل مع سلوك الغِش بطريقة أسهل. فلو كان هناك اختيار للشركاء، فإن الحيوانات يمكنها أن تنبذ ببساطة العلاقات غير المُرضية لها وتستبدل بها علاقات تقدم فوائد أكثر. وآليات السوق هي كل ما هو مطلوب للاستقلاليين. وفي مجتمعاتنا الخاصة نحن، أيضا، لا نحب ولا نثق في أولئك الذين يأخذون أكثر مما يعطون، ونميل إلى أن نبقى بعيدا عنهم.


الإنصاف إنصاف


ولكي يجني فرد ما فوائد التعاون، عليه مراقبة مجهوداته بالنسبة إلى الآخرين وأن يقارن مردودها بالجهد المبذول فيها. ولكي نتحرى هل تقوم الحيوانات فعلا بهذه المراقبة، عُدنا إلى قرودنا الكاپوشية، نختبرها في سوق عمل مُصغر مستوحى من ملاحظات حقلية لقرود كاپوشين تهاجم سناجيب عملاقة. وصيد السنجاب مجهود مجموعة، لكن المكافأة كلها تنتهي بيد فرد واحد: الآسر (القانص). ولو أن كل آسر احتفظ بالفريسة لنفسه، فلنا أن نتخيل أن الآخرين سيفقدون اهتمامهم بمشاركتهم في المستقبل. تتقاسم قرود كاپوشين اللحم للسبب نفسه الذي تقوم به الشمپانزات (والبشر) بذلك: لا يمكن وجود صيد مشترك من دون ناتج ربح مشترك.


لقد حاكينا هذا الموقف في المختبر بأن تأكدنا أن قردا واحدا فقط (والذي أطلقنا عليه الرابح) من القردين جاذبيْ حامل أواني الطعام قد تلقّى آنية بها قطع تفاح، أما شريكه (العامل) فلا يوجد طعام في آنيته، كما كان واضحا من البداية إذ إن آنية الطعام كانت شفافة. وهكذا يكون القرد العامل قد جذب الحامل لفائدة القرد الرابح. ويجلس القردان جنبا إلى جنب، تفصلهما شبكة. وقد عرفنا من اختبارات سابقة أن حائزي الغذاء يمكنهم أن يحملوا الغذاء إلى الحاجز ويسمحوا لجارهم أن يصل إليه من خلال الشبكة، وفي حالات نادرة، كانوا يدفعون قطع طعام إليه.


ولقد أجرينا مقارنة بين الجذب الجماعي والجذب المنفرد. ففي إحدى الحالات كان لكل قرد قضيب جذب وكان حامل الأواني ثقيلا، وفي الحالة الأخرى، كان لا يوجد لدى الشريك قضيب جذب وكان لدى الرابح قضيب سحب متصل بحامل أوانٍ خفيف يمكن جذبه بوساطة قرد واحد. ولقد أحصينا حالات أكثر لتقاسم الطعام بعد السحب الجماعي منه في السحب المنفرد: وفي الواقع كان الرابحون يكافئون شركاءهم على المساعدة التي تلقوها. ولقد أثبتنا أيضا أن المشاركة تؤثر في التعاون المستقبلي. ولأن معدل نجاح زوج القرود كان سيهبط لو أن الرابح كان لا يقاسم شريكه، فإن مكافأة العامل تكون استراتيجية ذكية.


وقد ذهبت <F.S.بروسنان> [إحدى زميلاتي في يركس] إلى مدى أبعد في استكشاف ردود فعل تقسيم المكافآت. حيث كانت تقدم حصاة صغيرة لقرد كاپوشين ثم تمسك بشريحة من الخيار كإغراء لاستعادة الحصاة. أدركت القرود بسرعة مبدأ التبادل. ولوحظ أن القردين المتجاورين جنبا إلى جنب يتبادلان الحصى بالخيار مع الباحث بسرور. أما لو أن أحدهما حصل على عنب في حين استمر الآخر على الخيار، فإن الأمور كانت تأخذ منحى غير متوقع؛ إذ لما كان العنب أكثر تفضيلا، فإن القرود التي كانت راغبة في شرائح الخيار أضربت فجأة عن هذا، فهي لم تكن تؤدي دورها على مضض فحسب (حيث كانت ترى أن القرد الآخر يحصل على صفقة أفضل)، بل إنها كانت تنتابها حالة هياج قاذفةً بالحصى خارج حجرة الاختبار، بل حتى شرائح الخيار في بعض الأحيان، والطعام الذي كان لا يُرفض أبدا في الأحوال العادية، صار أقل من أن يُرغب فيه.


ورفض الجزاء غير المنصِف ـ والذي يقوم به البشر أيضا ـ يخالف افتراضات الاقتصادات التقليدية. فلو أن زيادة الفوائد إلى حدها الأقصى كانت هي كل ما يهم في الموضوع، فإن الفرد يجب أن يأخذ ما يستطيع الحصول عليه وألا يترك أبدا فرصة للاستياء أو الحسد للتدخل. ومن جانب آخر، يفترض علماء الاقتصاد السلوكي أن التطور قد أدى إلى عواطف تحفظ روح التعاون وأن مثل تلك العواطف تؤثر بقوة في السلوك. وعلى المدى القصير قد يبدو الاهتمام بما يحصل عليه الآخرون أمرا غير منطقي أو عقلاني، ولكن على المدى الطويل هو يحفظ الفرد من أن يُحتال عليه. وعدم تشجيع الاستغلال عامل حاسم لاستمرار التعاون.


ومع ذلك، إن المراقبة الدقيقة الدائمة لمسارات الفوائد والخدمات أمر يسبب كثيرا من القلق. وهذا هو السبب في أن البشر يحمون أنفسهم ضد التطفل والاستغلال بتكوين علاقات زمالة مع الشركاء ـ مثل الأزواج والأصدقاء الجيدين ـ الذين صمدوا لاختبار الزمن. فإذا ما حددنا الذين نثق بهم، تراخينا في التقيد بالقواعد. ولذلك نحن لا نحتفظ بسجلات ذهنية إلا مع الشركاء غير وثيقي الصلة، ونتأثر بقوة بالأمور غير المتوازنة ونصفها بأنها «غير مُنصفة».

وقد وجدنا دلالات على تأثير المسافات الاجتماعية في الشمپانزات. فكما رأينا، إن أسلوب «واحدة بواحدة» نادر بين الأصدقاء الذين يقدمون خدمات بعضهم لبعض روتينيا. وتبدو هذه العلاقات أيضا حصينة نسبيا ضد عدم المساواة. ولقد أجرت <بروسنان> تجاربها في التبادل باستخدام العنب والخيار على الشمپانزات وقرود كاپوشين أيضا. ولقد ظهر أقوى رد فعل بين الشمپانزات التي عرف بعضها بعضا زمنا قصيرا نسبيا، في حين أن أعضاء الجماعات التي عاشت معا لأكثر من 30 عاما فلا تكاد تتأثر على الإطلاق بهذه العوامل؛ بل ربما كلما زادت ألفتها زاد إطار الوقت الذي تقيّم الشمپانزات فيه علاقاتها. والعلاقات البعيدة غير الوثيقة الصلة هي وحدها التي تكون حساسة للتذبذبات اليومية.


وجميع المتعاملين اقتصاديا، سواء من البشر أو الحيوان، عليهم مواجهة مشكلة التطفل وتقاسم العائدات بعد جهود مشتركة. إنهم يقومون بالاقتسام الأكبر مع أولئك الذين يساعدونهم أكثر ويبدون ردود فعل عاطفية قوية نحو مخالفة توقعاتهم. وثمة مبحث من علم الاقتصاد تطوري حقا يعترف بسيكولوجية المشاركة هذه، وينظر بعين الاعتبار إلى أن احتمال اكتسابنا إياها ليس من باب المصادفة، كما كان يعتقد <هوبس>، لكن كجزء من خلفيتنا كرئيسات متعاونة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كيف تُجري الحيوانات عمليات مقايضة فيما بينها
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبير الروح :: الفنون :: أخبار العلوم والتكنلوجيا-
انتقل الى: