عبير الروح

فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 برنار ستيجلر... الجانح الفيلسوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: برنار ستيجلر... الجانح الفيلسوف   السبت سبتمبر 28, 2013 9:19 am




برنار ستيجلر هو فيلسوف فرنسي معروف وسجين سابق... دخل السجن جانحا وخرج منه فيلسوفا...كما لو أنك أمام الخطوط المتعرّجة، وأحياناً القاتلة، في حياة المبدع الكبير الفرنسي الراحل ''جان جينية.هذا ما يظهر من حياة فيلسوف آخر فرنسي هو ''برنار ستيجلز'، ابن العائلة المرهقة الذي تعرّف على التراجيديا الأغريقية وهو في الثانية عشرة، وسطا على المصارف، التهم الكتب في السجن وأصبح فيلسوفاً يعمل في التدريس والبحث، وهو يتولى، حالياً، وظيفة مدير للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''.. وهو الذي يبدأ يومه الفلسفي وهو يغتسل ثم يملي أفكاره على آلة تسجيل، ويكمل ذلك في السيارة وهو في طريقه إلى الجامعة لإعطاء درس في الفلسفة، على أن يخصص صبيحة السبت والأحد في تفريغ الأقراص المدمجة في مقالات وكتب.
غزارة عطائه حملت زوجته المحامية ''كارولين'' على ترك عملها لمساعدته لاسيما في مجال البحوث مع ثلاثة فلاسفة آخرين، فيما استحدث موقعاً على الإنترنت من أجل تفعيل.. تكنولوجيا العقل.
كيف يمكن لرجل كان يسطو على المصارف أن يصبح فيلسوفاً، وأن يعيّن، مديراً للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''؟
''برنار ستيجلز' يعتبر ألا حاجة إلى تعقيد الأمور: ''الحياة ليست بغباء الفراشاث'. إنها مثيرة، متعدّدة الأبعاد، ومتقلّبة، لا حدود فيها للظل ولا حدود للضوء: '' كما لو أنك ترقص داخل النيران''.
وينفي ستيجلر أن تكون في شخصيته أي لمسة ميكافيلية، فهو يسند رأسه إلى ''سقراظ' ويمضي قائلا: ''يمكن أن تكون يداك ملوثتين، لكن عقلك نظيف. لم أسمح لأحد أن يستخدم رأسي كصندوق للقمامة''.
نموذج للرجل الذي يعيش تلاطم الثقافات، تلاطم الظروف أيضاً. لكنه لم يترك رأسه يتدحرج في القاع ويبقى هناك؛ وهو لا يضحك حين يقول: إن رأسي هو صخرة سيزيف، ولكن بدلاً من أن أرفع هذه الصخرة بيدي لكي أصل بها إلى القمة ثم تتدحرج، فإنني استخدم الرافعة''.
ويعتبر أن التكنولوجيا هي التي دمرت الجزء الأكبر من الإنسان في الإنسان، فالحل لا يأتي من الصومعة، ولا من القدمين الحافيتين، وإنما من تلك الصخرة التكنولوجية التي هي نتاج حتمي لجدلية العقل البشري.
ويضيف ضاحكا: البعض يحاول أن يضع العقل البشري على... ظهر حماز'. التشبيه يصدم، بطبيعة الحال، لكن الفيلسوف الفرنسي الأسود والذي وُلد عام 1952 على أرض فرنسية يعتبر أن الذين يحاولون مواجهة التكنولوجيا بتلك الأفكار الطوباوية، إنما يريدون العودة بنا، وهي عودة مستحيلة، إلى ثقافة الديناصور.. لا بل إلى ''ثقافة الخضاز'، ويؤكد حماسته للتطور الصناعي قائلا: لنتصوّر أي عالم ذلك الذي من دون طائرة أو من دون أقراص الأسبيرين.
بدايات ذلك الصعود، أو الهبوط، المتعرّج لحياة ''برنار ستيجلز' كانت في عام 1968 عندما ترك المدرسة، وكان عليه أن يرتطم مباشرة بأشياء الحياة. رأى أن الشوارع تكتظ بأولئك الشبان الذين يهتفون من أجل التغيير. شارك في التظاهرات، ولكن ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام عصا رجل الشرطة. إذاً، ليس صحيحاً ما يقال أن الثورة الفرنسية (إخاء، حرية، مساواة) لا تزال هناك. ربما تم تحويلها إلى طعام للقطط. في لحظة احتجاجية حادة، أنتمى إلى الحزب الشيوعي، ولكن ليكتشف هناك أن ''جوزف ستالين''، بشاربيه الغليظين، كان يسكن الأمين العام للحزب ''جورج مارشية'..
وفي عام 1976 ترك الحزب الشيوعي، ولكن بعد أن تعلم كيف يقرأ، وكيف يحب الموسيقى، وكيف ينظر إلى والديه اللذين كانا، كما الكثيرين، داخل اللهاث، فالأب مهندس في التلفزيون الفرنسي والأم موظفة في مصرف. هذا وضع لا بأس به، لكن ''ستيجلز' كان يلاحظ كيف أنه لا وقت للإنسان في ذلك العمل اليومي الرتيب، والمملّ، والذي ينتهي في... مصلحة الضرائب.
يقول إن التلفزيون الذي أنشأه الجنرال ''شارل ديجول'' هو الذي جعله، ولما يزل في الثانية عشرة، يتعرّف على اشيل والتراجيديا الأغريقية. إذاً، ليس من الضروري أن يترعرع المثقف في بلاط لويس الرابع عشر، أو في امتداداته البرجوازية. يمكن للمرء أن يكون فقيراً ومثقفاً.
بعد عام ،1968 وكان في السادسة عشرة تعرف على كل المهن: عامل يدوي، مستخدم في مكتب، حاجب في مؤسسة هندسية، عامل زراعي، وهذا ما جعله يكتشف ''حرارة الأرض''، وهو الذي عاش كآبة الأرصفة في المدن، وإذ أدار مشروعاً زراعياً في الريف ولنحو عامين، فإن موجة الجفاف التي حصلت عام ،1976 أبعدته عن علاقة العشق بالأرض ليفتتح حانة موسيقية في مدينة تولوز حيث كان يستضيف عازفي الجاز. الأمور سارت على ما يرام، وحانته راحت تجتذب المثقفين وعلى رأسهم ''جيرار غرانل''، أستاذ الفلسفة في جامعة المدينة والذي كان مهووساً بالجاز ويقول عنه ستيجلر: أصبحنا صديقين، وكنت فخوراً بذلك.
يقول إن الخطة الاقتصادية التي نفذها رئيس الحكومة السابق ''ريمون باز' جلبت عليه الخراب. بين ليلة وضحاها اكتشف أن الديون تثقل كاهله. لا سبيل أمامه لتغطية هذه الديون سوى الانتحار أو السطو. وبالفعل، فقد سرق أحد المصارف، اثنين بعد ذلك وبنجاح، دون شريك يقاسمه أتعابه. في المرة الرابعة ضبط بالجرم المشهود وحكم عليه بالسجن لخمس سنوات: ''كان يفترض أن يكون عقابي 15 عاماً، لكن المحامي كان بارعاً جداً''.
يا للغرابة أن يرى ''ستيجلز' في السجن الحل الرائع. وحيداً في الزنزانة، ليلتهم الكتب التي كان يأتيه بها صديقه ''غرانسل''. تسجل في صف البكالوريا، وتحوّل إلى مدرّس في السجن؛ ومن السجن إلى دار المعلمين العليا، حيث التقى الفيلسوف الشهير ''جاك دريدا'' (1930 ـ 2004). وفي عام 1983 أنشأ ''جان بيار شيفنمان''، وهو السياسي البارز، الكلية الدولية للفلسفة التي أدارها ''دريدا'' نفسه.
التحق ستيجلر بالكلية الدولية للفلسفة بفرنسا ليلمع هناك وبدأ النجاح يطارده، قبل أن يستقر في عام 2006 مديراً للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''.
ويقول: ارفض فكرة أن نصنع الرؤوس.. الرؤوس تصنع نفسها بنفسها، فالثقافة لا تقدم كما أطباق البيتزا، على الطاولات، ويضيف: إن فلسفتي هي أن أدع الذين يعنون بالآداب والفنون يشعرون بأن عليهم أن يضيفوا شيئاً إلى الحياة. لا تقتصر مهمة ''برنار ستيجلز' على فرنسا. إنه معني كثيراً بالعالم الثالث الذي يقول عنه ''أخذت وجهي منة'. ويجسد السبيل الوحيد من أجل التطوير البنيوي للمجتمعات في هذه العبارة: ''أدعوكم لأن تعشقوا التكنولوجيا، حيث لمستقبل العقل تحديداً، باب واحد هو التكنولوجيا..!


http://arsindustrialis.org/













عدل سابقا من قبل admin في السبت سبتمبر 28, 2013 9:27 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tousman.alafdal.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: برنار ستيجلر... الجانح الفيلسوف   السبت سبتمبر 28, 2013 9:24 am

تكنولوجيات العقل والاستحواذ على الانتباه

* أعتبر نفسي مؤسسا لجمعية Arts Industrialis التي تنشط منذ ثلاث سنوات .. نقوم بتطوير فكرة مفادها أن التكنولوجيات بإمكانها أن تنتج أحيانا ما يمكن تسميته بـ : الشعبوية الصناعية (populisme industriel) بمعنى، أن تطور وسائل الإعلام الذي شهده القرن العشرين، انزلق تماما نحو استغلال غرائز الأفراد .. وأصبح العالم بأسره يشتغل بطريقة غرائزية، وأساسا في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة .
* يفترض أن تكون تكنولوجيات التلفزيون، الصحافة، الأنترنت، في خدمة العقل وتطويره، لكن حاليا نراها تشتغل عكس ذلك. للأسف نعتبر هذا الانزلاق في جمعيتنا أمرا واقعا .. ولا يمكن قلب هذه الوضعية بمعارضة التكنولوجيات الحالية التي تنتج هذا الوضع وإنما عن طريقها .. ومهما يكن، فإن التكنولوجيات في تطور مذهل ومستمر .

* ـ التلفزيون الذراع القوية للتسويق Marketing .
* التلفزيون هو الوسيلة الإعلامية التي أثارت أشياء جديدة في تاريخ الإنسانية .. بحكم معرفتي بالتطور التكنولوجي للتلفزيون، أحاول أن أبين لماذا دخول هذه الوسيلة الإعلامية في صراع مع المؤسسات التربوية، التي أطلق عليها اسم مؤسسات البرنامج Institutions de programme بالأخص المدرسة، والعائلة التي تعتبر مؤسسة تخضع لعقد اجتماعي .
* في القديم كان للإغريق تقنية الاستحواذ على الانتباه يروج لها السفسطائيون، وقد ندد بها أفلاطون، بقوله : "يستحوذ السفسطائيون على انتباه الشباب الإغريقي، ويحطمون قدرات التفكير عنده .. "فتجندت الفلسفة آنذاك لمجابهة فلسفة السفسطائيين، بتطوير فلسفة أخرى للإعلام .. أنشأ أفلاطون مدرسة لتعليم فلسفة السفسطائيين وكيفية دحض أفكارها، وقام أرسطو بتدريس هذه الفلسفة ومجابهة مزاعمها بنفس الطريقة وفي نفس المدرسة .
* وسائل الإعلام الحديثة تحمل في طياتها أدوات القطيعة التي تستطيع أن تكون قاعدة لسياسة جديدة .. أطلق عليها اسم : تكنولوجيات العقل التي تستطيع أن تقلب الموازين، كما استطاعت الفلسفة الإغريقية أن تقلب موازين فلسفة السفسطائيين رأسا على عقب .
* أصبح التلفزيون في السنوات الأخيرة فضاء إعلاميا، سمعيا وبصريا، كما هو الحال في كثير من دول العالم، بمعنى أنه يموّل بواسطة الإشهار، كما أصبح تدريجيا في قبضة النظام الاقتصادي الرأسمالي والصناعي، أي الذراع القوية للتسويق .

* ـ من رزنامة المواعيد إلى الاستماع والانتباه .
* يقدم التلفزيون خدمات كباقي الصناعات الثقافية بصفة عامة، لكنه يعمل أكثر على تشجيع تبني سلوك الاستهلاك المناسب لحاجيات السوق .
* يقوم التلفزيون والإذاعة بـ "صناعة البرامج" .. من خلال شبكات برامجية .. في التلفزيون مثلا، مواعيد زمنية، وفترات أخرى تحدد فيها نوعية البرامج المقدمة، والمستهدفين من المشاهدين، وأسعار الإشهار .
* يعتقد المتفرجون قبل سنوات أنهم زبائن للتلفزيون، (بدأ يزول هذا الاعتقاد) ثم يكتشفون أخيرا أنهم مجرد سلعة في نظر التلفزيون الذي يتخذ من البرامج وسيلة أو فخا للحصول على المتفرجين ومن خلالهم على الأموال التي يجلبها الإشهار .. لا أحد يقنن أو ينظم ذلك، لا المواطنون ولا المشاهدون، ولا الدولة تستطيع ذلك، إنهم المعلنون والمساهمون .. هكذا يتم تنظيم الاقتصاد الاستهلاكي .. لا ننسى أبدا أنّ حيازة التلفزيون بفرنسا في سنة 1950 يمثل ما نسبته 0.5 % قفزت هذه النسبة في سنة 1960 إلى 13 % ثم إلى 70 % سنة 1990 و 98 % سنة 1996 .. لقد تغلغل التلفزيون بسرعة في المجتمع الفرنسي، وأحدث تغييرا في نمط حياة الناس .. إنه تغيير مطلق، لأنه أولا : عوّض ما يسمى برزنامة المواعيد Calendarité، وما أكثرها ! لاسيما أيام العطل والراحة، وتدرج ضمن هذه الرزنامة مواعيد الأكل والصلاة .. في سنة 1939 حوالي 55 % من الفرنسيين لا يملكون هاتفا ولا مذياعا ولا تلفزيونا ولا جرائد، وكانت مواعيدهم الجماعية تتم في الكنيسة أو المدرسة .. للعلم أن المدرسة أحدثت ثورة كبيرة داخل المجتمع الفرنسي بعدما أصبحت إجبارية ومجانية في القرن العشرين .. يأتي بعدها التلفزيون ليستولي على رزنامة المواعيد من خلال الجرائد المختصة في الشبكة البرامجية على نحو تيليراما Télérama و تيلي 7 جور Télé 7 jours فيدخل مفهوم الاستماع والانتباه الذي يمثل القيمة التجارية الأكثر ربحا .

* ـ الاستحواذ على انتباه الأشخاص المستهلكين .
* بدأت عملية تصنيع الاستماع والانتباه في السنوات الأخيرة من القرن الماضي .. بداية عبر المذياع سنة 1920، ثم توسعت بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية .. لمحاربة الفائض من الإنتاج الذي كان يهدد الآلة الاقتصادية بالشلل والعودة مجددا إلى الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 كان لا بدّ من التفكير في طرق وضع تقنيات جديدة للاستحواذ على انتباه الأشخاص الذين سيتحولون بعد ذلك إلى مستهلكين .. في هذه الفترة (1920 ـ 1940) تتطور المفاهيم الأولى لما يسمى الإشهار، التسويق، بمعنى آخر المفاهيم الكبرى التي تحكم العالم .
* الانتباه يعني شيئين مختلفين لكنهما لا يفترقان، وهما : القدرة النفسية على التركيز، والقدرة الاجتماعية على الانتباه للآخرين أي السلوك المدني .. تعليم الطفل يعني تكوين انتباهه، والتكوين يكون على هذين المستويين .. كل المجتمعات تعمل على استحواذ الانتباه، غير أن المجتمعات الصناعية التي تعمل على استحواذ الانتباه تعمل في نفس الوقت على تحطيمه : إنها نتائج بحثي .

* ـ التوجه إلى المستهلكين قبل سن الخامسة .
* حسب دراسة أشرف عليها فريديرك زيمرمان Frédéric Zimmerman ديمتري كريستاكي Dimitri Christakis ملزوف Melzoff (2007) تبين أن تعرض الأطفال ما بين العام الواحد وثلاث سنوات للبرامج التلفزيونية هم عرضة للتأخر الانتباهي Déficit attentionnel وهذا ما أشار إليه فرويد Freud كل ما يرسل إلى الطفل قبل السن الخامسة يسجل في اللاوعي عنده، وبالتالي سيحدد سلوكه بعد ذلك .. لذا قام البعض بتأسيس قنوات تلفزيونية للأطفال أقل من سن الخامسة، على نحو : Fox tv ، انتقلت الفكرة إلى فرنسا في العام الماضي بتأسيس قناة : Baby first .
* حوالي 40 % من الرضع أكثر من ثلاثة أشهر يشاهدون بانتظام التلفزيون أو شرائط DVD أو تسجيلات الفيديو بالولايات المتحدة الأمريكية .. والنسبة تقفز إلى 90 % بعد سن الثانية

* ـ التفاف فلسفي على اليونان القديمة .
* في القرن التاسع عشر، قامت المدرسة العمومية بثورة كبيرة للاستحواذ على الانتباه .. عندما قال جول فيري Jules Ferry موجها خطابه للشعب الفرنسي : ابتداء من الآن، يذهب أبناؤكم ما بين سن الخامسة والرابعة عشر إلى المدرسة ست ساعات في اليوم وخمسة أيام في الأسبوع .. يرمي هذا القرار إلى محاربة السلطة الروحية للكنيسة المهيمنة على المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى إحلال الدولة بديلا للعائلة في الاستحواذ على الانتباه .
* كذلك فعل أفلاطون 2500 سنة قبل جول فيري، بتعليم المجتمع الإغريقي الكتابة، يجب على جميع المواطنين تعلم القراءة والكتابة، والمواطن الحق الذي يستطيع المجيء إلى أقورا Agora ويقول : أريد تغيير هذا القانون. المواطن الحق الذي يساهم بشكل فعال في تطوير هذه المدينة .. في الوقت الذي كان فيه السفسطائيون ينادون بوجوب امتلاك القدرة على تطوير الرأي ونقيضه، بقولهم : الأهم ليس الرأي الذي ندافع عنه، لكن الأهم هو كيفية الوصول إلى الإقناع .. هذه بداية الكارثة : ومن هنا بدأ ميلاد الديماغوجية .


* ـ أفلاطون والتلفزيون .
* يقول أفلاطون : التفكير هو أن تفكر بنفسك، فلا تفكير إلا بما تفكر أنت فيه بنفسك . وبالتالي اعتمد أفلاطون على طريقة تطوير ذاكرة الإنسان وليس خداعها الكامل .
* قد يتساءل القارئ عن الفرق بين التلفزيون في أيامنا، والكتابة في عصر أفلاطون ؟ وماذا يعني السمعي البصري إذا كنا مجرد مستهلكين ؟ إن التشابه واضح بينهما، تتمثل في إمكانية الحصول على معلومات دون تعلم القراءة والكتابة .. لنضع تلفزيونا في قرية لا تعرف شيئا عن هذه الآلة العجيبة، بمرور أيام قليلة، يبدأ تأثير الصورة على الناس .. للسمعي البصري قدرة قوية على التأثير، وقدرة عجيبة على التغلغل الاجتماعي .. أعتقد أنه من الأهمية بمكان تطوير علاج خاص لوسائل الإعلام الحديثة .
* لا يحب الناس مشاهدة التلفزيون، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عنه .
* تتمثل المشكلة الكبرى، اليوم، في الإدمان، ليس فقط على مستوى الأطفال بل على مستوى جميع أفراد العائلة، السبب هو التالي : لقد حطّم التلفزيون كل الوشائج العائلية، أو روابط ما بين العائلات .. ليس هناك أحاديث بين الأبناء والأولياء، حتى المناوشات الضرورية للحياة العائلية .. العائلة مؤسسة للصراعات والمناوشات، يتدخل فيها أحيانا المعلم، أو الجد، الطبيب النفساني لتنظيم ما أفسده الصراع، وجاء التلفزيون ليحطم هذه العلاقات بين العائلات .
* نشرت جريدة تيلي راما Télérama تحقيقا يبين أن 56 % من المشاهدين المستجوبين لا يحبون مشاهدة التلفزيون .. والنظام الذي يعتمد على الإدمان، يحول المدمن كارها لما سبب له هذا الإدمان لكنه لا يستطيع تجاوزه .. لقد أصبح الناس تابعين للتلفزيون ولا يستطيعون التخلي عنه .

* ـ الاستحواذ على الانتباه من طرف وسائل الإعلام يحطم دوائر تحديد الهوية .
* ماذا يعني تحديد الهوية ؟ هي قدرة نرجسية تعتمد على اكتساب الأنا الأعلى، إنه التعرف على الوالد، على الأم، على سلطة ما .. ولا يقصد بالوالد هنا الشرعي، وإنما الوجه الرمزي الذي قد يكون المربي أو الوالد الحقيقي أو غيرهما ..
* ماذا ينتج التلفزيون ؟ ينتج انقطاعا للتيار عند التحديد الأولي للهوية .. الطفل الذي لا يطيع والديه يحدد هويته بما يقدمه له التلفزيون، وبالتالي لا يستطيع الطفل أن ينتج وجوها رمزية، فيسير نحو الذهان Psychose .. كل المحللين النفسانيين يقولون بأننا نواجه أكثر فأكثر الذهانيين، وأقل فأقل العصابيين Névrotiques المشكلة الكبرى تتمثل في تطور الذهان الذي يختلف عن المختل عقليا .
* الاستحواذ على الانتباه يحطم كذلك الليبيدو Libido يقول فريد Freud بأن الليبيدو (رغبة غرائزية) هو طاقة الربط .. فالناس تسكنهم غرائز، وهذه الغرائز خطيرة جدا، إذا لم تربط بالليبيدو الذي هو اقتصاد للغرائز ذات الطبيعة الاجتماعية فإنها تترجم بالاغتصاب بحكم ارتباطه بالغريزة الجنسية، القتل بحكم ارتباطه بغريزة الظلم والإبادة، أو الانتحار .. إنها تعطي التحطيم الذاتي، والجريمة بصفة عامة .. المجرم لا يملك رقيبا داخليا، ولا الأنا الأعلى .

* ـ ظهور وسائل الإعلام الجديدة والتعاونيات المعرفية .
* إن اكتساب الأنا الأعلى أمر ضروري. لأنه يسمح بالربط بين الغرائز، لا يعتبر الأنا الأعلى نقيضا للبيدو بل هو موجه له .. يقول فرويد بأن الأنا الأعلى يمكن أن يكون حاملا لبعض الغرائز، وفي بعض الحالات يمكن أن ينحرف، لكنه عندما يكون صحيحا يتسامى بصاحبه .
* منذ أكثر من خمسة عشر عاما، بدأ يختفي اللبيدو لتحل محله الدوافع الغريزية .. يشتغل التلفزيون بالاستحواذ على هذه الدوافع، بوضع كل أنواع أجهزة العرض والبرامج الجنسية وكل أنواع الميكانيزمات المعتمدة على الفاحشة والسفاهة بكل أشكالها .
* ليس هذا قدرا، يمكن قلب الأوضاع وجعلها تسير في الطريق السليم، وإعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي، لأسباب كثيرة : الجميع يعاني من هذا الوضع .. إنتاج الفوضى الاجتماعية، في الولايات المتحدة تحوّل الأمر إلى قلق كبير .
* وأسباب أخرى أكثر أهمية : ظهور وسائل الإعلام الجديدة، خلق أوضاع أكثر تبعية من أوضاع ألعاب الفيديو والتلفزيون .. إن وسائل الإعلام الجديدة تحمل في طياتها أشياء مهمة جدا .. بالأخص التعاونيات الثقافية التي تتطور في الأنترنات .. الأنترنات على خلاف التلفزيون لا يشتغل على نموذج إنتاج ـ استهلاك .. يتيح لنا التلفزيون المشاهدة دون السماح بالمشاركة في الإنتاج .. إنه نموذج صناعي بحت .. لأن هناك منتجين محترفين، لا يستطيع المشاهد مضارعتهم .. في الأنترنات، نموذج إنتاج ـ استهلاك غير مناسب .. لا يعتبر المتصفح مستهلكا للرسائل، إنه في وضع المشارك، بإمكانه تطوير كل أنواع ممارسات التكنولوجية التعاونية، أسميها بالتعاونيات المعرفية، أشياء أكثر تعقيدا وحداثة من البرنامج الحر .
* لقد دافعت كثيرا عن سياسة الإنتاج السمعي البصري على شكل برامج حرة .. يوجد بمؤسسة Ircam منتدى لمتصفحي الأنترنات، يبلغ عددهم مائتي إلى ثلاثمئة، جاءوا من جميع أصقاع العالم، مهمتهم تطوير البرمجيات .. والدور الاقتصادي لهذه المؤسسة هو تقديم الخدمة العالية لهؤلاء، علما بأن العاملين على تطوير هذه البرمجيات هم الذين سيستخدمونها بعد ذلك .. بتعبير آخر، يساهمون في تطوير برامجهم .

* ـ مناقشة دور السمعي البصري في المجتمع .
* نلاحظ في المجتمع الذي يشتغل بشكل صحيح مساهمة كل الناس، من بعيد أو قريب، على تجاوز الفردانية Transindividuation بمعنى أن الكل يساهم في إنتاج العالم الذي يعيشه .
* المجتمع الصناعي كما فرض في القرنين التاسع عشر والعشرين أنتج وضعا قائما على التناقض بين المنتج، والمستهلك الذي لا يستطيع المساهمة في الإنتاج، وبالتالي يصبح مستهلكا سلبيا وغير فعال .. وهذا ما فعله التلفزيون باعتماده النموذج الصناعي .. بالمقابل، يمكن لما تنتجه وسائل الإعلام الرقمية الجديدة أن تعيد اللحمة للمجتمع .. لا يوجد بالأنترنات منتج من جهة ومستهلك من جهة أخرى، إنه وسط يتكون من نواد ومجموعات هاوية، من تكنولوجيات تساهمية، وتعاونيات معرفية، كما هو الحال في الموسوعة الإلكترونية : ويكيبيديا Wikipedia هذا وصف مثالي للأنترنات، رغم زحف عملية تصنيع البرامج التي تحاول فرض سياستها الاستهلاكية عليها .

* ـ تطبيق منهج جول فيري على التلفزيون ز
* العلاقات بين الأفراد تصنع المجتمع ز. وسائل الإعلام هي تكنولوجيات للعلاقة والربط .. لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تكون هذه العلاقة محددة من طرف السوق، السوق المحتكرة، الساخرة، التي لا تهتم بالمعرفة .. يجب تقديم اقتراحات إيجابية، كما هو الشأن في عصر جول فيري، حيث تطورت المدرسة بفضل صناعة الصحافة والمطابع ..
مدرسة جول فيري هي الكتاب المدرسي وليس فقط مدرسة المعلم .. حتى يتمكن المعلم من تطبيق البرامج المسطرة من طرف الوصاية، لا بدّ من إبرام عقود مع دور الطباعة والنشر على غرار ناتان Nathan هاشات Hachette ... وبالتالي ظهرت صناعة تسمح بطباعة الكتاب بثمن منخفض .. وابتداء من سنة 1865 بدأ يصل عدد النسخ بالنسبة لبعض الجرائد المليون، مما جعل أسعارها هي الأخرى تنخفض .
* يمكن اليوم، في المجال السمعي البصري، نشر الصورة عن طريق الأنترنات دون المرور على الشبكات التلفزيونية، كما تسمح رقمنة وسائل الإعلام بمشاهدة برامج تلفزيونية بأشكال مختلفة، ما يؤهل التلفزيون إلى أن يصبح أداة للتكوين في غاية الأهمية .. لا بد أن نعيد حمل فكرة جول فيري من خلال تطوير وسائل الإعلام الجديدة وتحويلها إلى صناعة إنتاج مضامين فريدة من نوع عال، في مجتمع المعرفة .. لنطور هذه الوسائل من أجل تنمية العقل الجماعي .. لنجعل من التلفزيون صديقا لمؤسسة البرامج .
* عندما أسس جول فيري مدرسة الجمهورية، كانت ميزانية الدولة المخصصة للمدرسة 20 % واليوم يجب استثمار 20 % من ميزانية الاتحاد الأوروبي للمدرسة، لا بد من مراجعة دفتر شروط القنوات التلفزيونية، بداية بالقنوات العمومية، ثم القيام بالدراسة المعمقة لوسائل الإعلام الجديدة .
* يجب استفادة جميع الأطفال من هذه التكنولوجيات الحديثة عن طريق المؤسسات المهيكلة لهذا الغرض، كما يستفيد الأساتذة والمواطنون كذلك بطريقة نظامية .. توجد إمكانات هائلة لتطوير العقل الجماعي مع هذه التكنولوجيات التي توظف لإنتاج الأسوأ، لكن كذلك لإنتاج الأحسن .


Publications De Bernard Stiegler

La Technique et le temps, tome 1 : La Faute d’Épiméthée, 1994 (ISBN 2718604409)
La Technique et le temps, tome 2 : La Désorientation, 1996 (ISBN 2718604689)
Échographies de la télévision, entretiens filmés avec Jacques Derrida, 1996 (ISBN 2718604808)
La Technique et le Temps, tome 3 : Le Temps du cinéma et la Question du mal-être, 2001 (ISBN 2718605634)
Passer à l'acte, 2003 (ISBN 2718606169)
Aimer, s'aimer, nous aimer : du 11 septembre au 21 avril, 2003 (ISBN 2718606290)
De la misère symbolique, tome 1 : L'Époque hyperindustrielle, 2004 (ISBN 2718606355)
Philosopher par accident, entretiens avec Elie During, 2004 (ISBN 2718606487)
Mécréance et Discrédit, tome 1 : La Décadence des démocraties industrielles, 2004 (ISBN 2718606606)
avec Nicolas Donin, dir. et al., « Révolutions industrielles de la musique », Cahiers de médiologie no 18, 2004 (ISBN 2213621411)
De la misère symbolique, tome 2 : La Catastrophè du sensible, 2005 (ISBN 2718606347)
Constituer l'Europe, tome 1 : Dans un monde sans vergogne, 2005 (ISBN 2718606894)
Constituer l'Europe, tome 2 : Le Motif européen, 2005 (ISBN 2718606908)
Mécréance et Discrédit, tome 2 : Les Sociétés incontrôlables d'individus désaffectés, 2006 (ISBN 2718607068)
Mécréance et Discrédit, tome 3 : L'Esprit perdu du capitalisme, 2006 (ISBN 2718607157)
Des pieds et des mains, 2006 (ISBN 2227475668)
La Télécratie contre la démocratie, 2006 (ISBN 2082105695)
avec Marc Crépon, George Collins et Catherine Perret, Réenchanter le monde : la valeur esprit contre le populisme industriel, 2006 (ISBN 2082105857)
avec Marc Crépon, De la démocratie participative : fondements et limites, 2007 (ISBN 2755500336)
Prendre soin, de la jeunesse et des générations, Flammarion, 2008
Économie de l'hypermatériel et psychopouvoir, Entretiens avec Philippe Petit et Vincent Bontems, 2008
avec Alain Giffard et Christian Faure (historien), Pour en finir avec la mécroissance : quelques réflexions d’Ars industrialis, Flammarion, 2009
Pour une nouvelle critique de l'économie politique, Galilée, 2009
Repenser l'esthétique, pour une nouvelle époque du sensible, in C. Tron (dir.), Esthétique et société, Paris, L'Harmattan, 2009
avec Serge Tisseron, Faut-il interdire les écrans aux enfants ?, Paris, Mordicus, 2009
« La mécroissance », in Regards sur la crise : réflexions pour comprendre la crise… et en sortir, ouvrage collectif dirigé par Antoine Mercier, avec Alain Badiou, Miguel Benasayag, Rémi Brague, Dany-Robert Dufour, Alain Finkielkraut, Élisabeth de Fontenay et al., Paris, Éditions Hermann, 2010
Ce qui fait que la vie vaut la peine d'être vécue, de la pharmacologie, Flammarion, 2010 (ISBN 9782081220355)
L'École, le numérique et la société qui vient, avec Denis Kambouchner, Philippe Meirieu, Julien Gautier, Guillaume Vergne, Fayard/Mille et une nuits, 2012
États de choc - Bêtise et savoir au XXIe siècle, Fayard/Mille et une nuits, 2012 (ISBN 9782755506457)
Pharmacologie du Front National, suivi du Vocabulaire d'Ars Industrialis par Victor Petit, Flammarion, 2013
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tousman.alafdal.net
 
برنار ستيجلر... الجانح الفيلسوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبير الروح :: الفنون :: الحوار الفكري والإجتماعي والسياسي-
انتقل الى: