عبير الروح

فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تيتا ألف مرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: تيتا ألف مرة   الثلاثاء مايو 28, 2013 9:02 am



يقدّم المخرج محمود قعبور شريطه الوثائقي الثاني "تيتا ألف مرة". ولكن بخلاف طابع المواجهة/الإعتراف الذي اتخذته غالبية تلك الأفلام، لا يسلك قعبور في فيلمه ذلك الإتجاه. بل إن المواجهة، إن وجدت في الفيلم، فهي مع مخاوف المخرج من الفقد أو الحنين. والإعتراف هو بالحب وبالتصالح بين جيلين. لذلك نراه يلملم ذكريات جدته المتناثرة على مدى أكثر من أربعة عقود، يجمعها بحنان بين دفتي فيلمه، كأنما يعيد ترميم خزفية ثمينة وقديمة، لا مثيل لها في العالم. والمحصّلة فيلم يروي تاريخها (أي الخزفية) ويعيّن قيمتها انطلاقاً من علاقة "مقتنيها" بها. غير أن "تيتا" قعبور تكشف عن شخصية سينمائية بامتياز، تتجاوز الصفات المرتبطة بالجدة من طيبة وحنان وحكمة، إلى شيء من الطرافة المعجونة بفرادة الشخصية. والمخرج، بإدراكه ذلك الجانب سلفاً، لا يوفّر حيلة لتعزيز الجانب "المتخيّل" في تقديمه الشخصية. هكذا يفتتح فيلمه بسلسلة مشاهد تحريك للجدة، تحضّر القهوة أو تطهو الطعام أو تعدّ النارجيلة، تسليتها شبه الوحيدة. كأن قعبور يجمع في تلك المقدّمة بين ملمحين لجدّته، الطرافة والسينمائية، ويمنح الشريط منذ البداية تلك النبرة اللّعوب التي ستتخذ لاحقاً أبعاداً أخرى، متطرّفة أحياناً.
في منزلها القديم في أحد أحياء بيروت القديمة، تعيش الحاجة فاطمة (الجدة) وحيدة مع خادمة تعتني بها وبشؤون البيت. تلوح لنا نهاراتها متشابهة، تتنقّل خلالها بين الداخل والشرفة التي غدت نافذتها على العالم الخارجي، تشرب القهوة و"تقرقع" بالنارجيلة، ويزورها الأولاد بين الحين والآخر. لحظات قليلة فقط تستسلم خلالها للذكريات: الزوج "محمود" عازف الكمان الذي رحل قبل عشرين عاماً وصورة باهتة عن بيت كان يعج بالأولاد والأحفاد ذات يوم. ولكن شخصيتها المرحة، إلى جانب حرص الفيلم، يحولان دون تحول الحنين مناخاً عاماً. بل إن مناخاً احتفالياً يهيمن على الأجواء، متخذاً من عملية التصوير حدثاً غير عادي في روتين الجدة. والأخيرة بذكائها الفطري وطرافتها تنأى بالفيلم عن الإفتعال. فهي مدركة تماماً لوجود الكاميرا وفريق التصوير وتتعامل معهما على أنهما ضيوف حفيدها، وإن لم تكن عارفة تماماً لقدرات ذلك الوسيط. فهي لا تتوانى عن التعبير عن عدم إعجابها بخطيبة حفيدها الأجنبية أمام الكاميرا، كأنها تبوح بسر لن تطلعه إلا على محمود وفريق التصوير! كما لا تتردد في مخاطبة الكاميرا، أو الأحرى مديرة التصوير خلفها (موريال أبو الروس)، مشرّعة بعض خصوصياتها وذكرياتها الحميمة أمامهما. يسهّل المخرج عليها المهمّة من خلال ملازمتها وممازحتها أمام عدسة الكاميرا حيث تجري الحوارات بينهما. يسألها عن جده الراحل فتستعيد طيبته وحسنه وحبّه الكبير لها بفرحة مراهقة تذوب هياماً وعشقاً. يستعيدان معاً، المخرج وجدته، مقطوعات موسيقية كان الجد يسجّلها على شريط كاسيت في غرفة نومه، فتدمع عيناها. تخبره عن والده وأعمامه وعماته وعن طفولته وتعلّقها به لشبهه الكبير بجده، فضلاً عن حمله اسمه. فيتراءى لنا ذلك الحنان المتدفّق تجاه الزوج الراحل أقرب إلى عاطفة أمومية، تبثّها هذه المرأة الثمانينية نحو ذكرى الشاب الذي كانه الزوج. صورة الجد في شبابه التي تتوسط الصالون هي نفسها المطبوعة في مخيلة الجدة، لا تهرم ولا يؤثر مرور الزمن فيها، في حين مرّت السنوات على فاطمة حتى غدت أماً لزوجها وجدة لحفيدها الذي يشبه زوجها ويذكّرها به.
لعلّ محمود قعبور انتظر بعض الوقت لينجز الفيلم حتى يتسنى له التماهي مع صورة جدّه في شبابه. شكّل هذا التماهي لعبة الفيلم المكشوفة، ينخرط فيها المخرج وجدته بشكل واعٍ وبقرار مسبق. هو يدلّلها ويغمرها بعاطفتها وحبّه كأنه محمود الزوج، وهي تجاريه في لعبته، فتتغزّل بحسنه وتكشف له عن مكنوناتها وتطعمه البرتقال بيديها. ذلك التبادل العلني للأدوار بين محمود الحفيد ومحمود الزوج من جهة وبين فاطمة الجدة وفاطمة الزوجة من جهة ثانية يصل ذروته في مشهد طريف، كان ضرورياً، بتطرّفه، لتجنيب الفيلم الكليشيه والترميز السطحي. لا يكتفي المخرج بارتداء بدلة جده واعتمار طربوشه، بل يشبك ذراعه بذراع جدته ويسير الإثنان في الشارع كعريسين، ترشّهما إحدى الجارات بالأرز، على وقع تعليق الجدة "خلصنالها الرز" لفلانة ورد المخرج "معليش منجبلها غيرهن".
ليست طرافة الجدة هي وحدها مركز جاذبية الفيلم ولكنّه أيضاً فعل الحب ذاك الذي يقف وراء الفيلم، حاملاً المُشاهد على حسد المخرج على قيامه بتلك الخطوة قبل فوات الأوان. إنها القدرة على المكاشفة والتعبير عن المشاعر تجاه من نحب التي غالباً لا تستفيق إلا في أعقاب فقداننا لهم. أما محمود قعبور ففعل ذلك في الوقت المناسب وإن لم يكن الخوف بعيداً من أن يكون محرّضاً على البوح. فهو يقول لجدته كم كان يخشى خلال السنوات السبع التي قضاها في كندا أن تموت قبل أن تتسنى له رؤيتها. وهي تبدو مسكونة بهاجس مغادرة الحياة بلا وجل، يقلقها فقط أن يسبق الموت مرض يتسبب بالمتاعب لمن حولها. ومثلما أعاد الحفيد لجدته ذكرى زوجها الراحل في مشهد العرس الإفتراضي، يواجه خوفه من رحيل جدّته بأن يحوّله لعبة أيضاً ومزحة، يمكن التندّر عليها في ما بعد. هكذا تسجى الجدة على سريرها بلا حراك كأنما تقوم ببروفه للموت، بينما يجتمع الأحفاد وأولادها حولها باكين أو متأثرين. اللعبة هنا مكشوفة للمشاهد أيضاً الذي يعرف ان الجدة مازالت على قيد الحياة من دون أن يمنع ذلك سريان قشعريرة خفيفة في أوصاله. عندها تفتح الجدة عينيها مرددة جملتها الشهيرة في الفيلم بعد كل مشهد: "منيح هيك؟" فيغرق من حولها في الضحك. وإذ لا يخفّف التمرين على الموت من وقع الموت الفعلي إلا أنه يمنح عائلتها ذكرى طريفة موازية للموت، هي هذا المشهد ومرونة الجدّة في مجاراة حفيدها لصنع الفيلم الذي يريد. هو فيلم تحية في نهاية المطاف للجدة الحاضرة والجد الغائب، وتعبير خالص عن الحب قبل فوات الأوان.

الكود:
http://nosvideo.com/?v=6hzlmqyaecne




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tousman.alafdal.net
 
تيتا ألف مرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبير الروح :: الفنون :: السينما العالمية :: الأفلام الوثائقية-
انتقل الى: