عبير الروح

فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 وكلّ حيّ من الماء آت

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tousman

avatar

عدد المساهمات : 650
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: وكلّ حيّ من الماء آت   الخميس يناير 26, 2012 3:37 am



جون بيار كورتيجياني عالم مصريات، كان أمين مكتبة ثمّ مكلّفا بالعلاقات العلمية والتقنية بالمعهد الفرنسي لعلم الآثار الشرقي بالقاهرة. من مؤلفاته: "مصر القديمة وآلهتها’ سنة 2007.

ما يلفت الانتباه لأول وهلة حينما نتفحّص نظريات نشأة الكون المصرية، هو ذلك العدد المعتبر من الحكايات عن الأصول والتي تتعايش ضمن الدين الواحد.

تتناسب هذه الوفرة مع صورة ذلك الدين الذي تتعدّد فيه الآلهة، إذ تعود لانهائية الآلهة والأساطير في الديانة المصرية إلى الظروف التي ظهرت فيها هذه الحضارة. في البدء، مع نهاية ما قبل التاريخ كانت تتعايش قبائل مستقلة متعددة على طول نهر النيل. وكان لكل قبيلة آلهتها ومعتقداتها الخاصة. وحتى لما انتهت في فجر التاريخ إلى الانصهار في دولة واحدة بقيت العبادات المحلية قائمة. وفي ما يخص الأساطير التي تريد تفسير أصل العالم على وجه التحديد، فكل معبد كان ينزع إلى الرفع من شأن إلهه وجعله هو الخالق. ولكن سرعان ما أخذت بعض المراكز الدينية الموجودة في الحواضر الكبرى أهمية أكبر من مثيلاتها وفرضت أساطيرها على البلد كافة. أربع نظريات كبرى حول نشأة الكون كانت الأكثر تأثيرا في الديانة المصرية: بدون أدنى شك كانت نظرية هليوبوليس الأقدم والأكثر أهمية، وكذلك نظرية ممفيس والأشمونين وطيبة.
كما يمكن أن نذكر أيضا بعض نظريات نشأة الكون الثانوية كنشكونية (نشأة الكون) إسنا وإدفو وإيليفنتين.

ورغم تنوعها يجمع بين هذه الروايات نقاط مشتركة معينة..

أوّل وأهمّ تشابه هو تلك الفكرة التي مفادها أن الحياة تنبثق بشكل منتظم من محيط رئيسي كان في البدء يغطّي كلّ شيء. ولأن العدم مفهوم مجرد كثيرا بالنسبة للفكر المصري الذي هو بالأحرى فكر برغماتي، فالكون لم يخلق انطلاقا من العدم وإنما انطلاقا من بحر لا محدود، جامد يغطيه ظلام دامس مطلق ودائم. ومع ذلك ففي هذا "النون" كما يسمّيه المصريون مجموعة معيّنة من العناصر كأنّها ذائبة منها تولد الحياة. ومن أجل ذلك، يجب أن تطفو هضبة جوهرية من مياه النون. وهنا النقطة المشتركة الكبرى بين كل الروايات الأسطورية : ظهور حسب الوضع هضبة أو ربوة أو منصة إلى الهواء الطلق لتسمح بالخلق وتعطي فرصة الخروج من الماء للإله الصانع، ليرتكز ويستريح قليلا. وبعد ذلك تختلف الحكايات حسب التقاليد:
بالنسبة لقساوسة هليوبوليس، فالشمس المسماة آتون هي التي تحط على هذه الهضبة المركزية، وآنذاك تخلق الكون بدءا بأوّل الآلهة ثم عناصر المادة والبشر. أما في ممفيس وحسب حكاية انتشرت إبان حكم الأسرة الخامسة، حينما كانت المدينة عاصمة البلد، فقد كان تصوّر عملية الخلق أكثر أصالة وتجريدا وعقلانية : الخالق هنا هو بتاه، الإله المحلي هو الذي يخلق العالم عن طريق الكلمة بعدما يكون قد صمّمه فكريا. وهكذا يعطي الحياة للكائنات والأشياء عن طريق التلفظ بأسمائها.

الإشارة في كل الأحوال إلى ذلك المحيط الجوهري كمنبع للحياة هو تأكيد على مكانة الماء المركزية في الحضارة المصرية.

بطبيعة الحال، نظريات نشأة الكون تلك، هي في الحقيقة تعبير أسطوري عن واقع موسمي إذ أنّ فكرة المحيط العظيم الذي يغطي كل شيء فكرة واردة ببساطة من ملاحظة فيضان النيل والذي كان يغرق كل الوادي قبل بناء سدّ أسوان. وحينما تبدأ المياه في العودة إلى مجاريها كانت تظهر ألسنة أرض ورمل هنا وهناك سرعان ما تعجّ عليها حياة نباتية وحيوانية، نظرا للخصوبة العجيبة للطمي الذي تتركه مياه النهر. وألسنة الأرض تلك التي تبرز على سطح النيل هي التي أوحت من جهتها بأسطورة الهضبة العظمى. وفي كل عام تحدث أمام أعين المصريين معجزة تذكرهم بأسطورة الخلق التي تقدم بشأنها نظرياتهم حول نشوء الكون مقاربات مختلفة.

ولكن كان يعاد النظر في تلك المعجزة باستمرار..

بالفعل، كان لدى المصريين وعي بوهن الحياة ويترجم ذلك في أساطيرهم بعدم زوال المحيط العظيم بعد الخلق. فقوى السديم أو كل ما هو غير مخلوق هو مرميّ فقط في المحيط الخارجي للعالم المنظم. حينما تنتهي الشمس في رحلتها اليومية إلى المغيب في "الأفق الغربي للسماء" ينبغي عليها أن تصارع طول الليل ضدّ الحية أبوبيس التي تجسد قوى الشر بامتياز والتي تحاول منع تقدّم المركبة التي يبحر عليها ري. وفي كل صباح تنتصر الشمس على الثعبان وتتمكن من البزوغ من الشرق. ومع ذلك تبقى قوى الهدم مهددة الخلق دوما. والعالم الذي أراده الصانع في وهن. لقد أبعد هذا الأخير قوى الشرّ تلك ولكنه لم يقض عليها تماما وهي لا تنتظر سوى العودة من جديد. يعلن فصل مهم من "كتاب الأموات"، وهو الوحيد الذي يكتسي طابعا خلاصيا أنّ هذا "السائل الجامد"، سيغطي العالم من جديد في نهاية الزمن، حينما يهدم الخالق ما بناه ويتحوّل هو ذاته إلى أفعى.

هذا التهديد الدائم هو الذي يفسر العلاقات التي يقيمها المصريون مع آلهتهم؟

هو كذلك في جانب كبير، وفي هذا المعنى ينبغي فهم القرابين المقدمة للآلهة، والعبادات الدينية في مصر القديمة عموما. ومن خلالها يتأكد البشر ويطمئنون أن الآلهة تلعب دورها على أحسن وجه في المعركة المستمرة من أجل المحافظة على النظام في العالم. ولكن هنا على الأرض، يعود هذا الدور الواقي إلى الملك لأن طبيعته الإلهية هي التي تؤهله لإقامة مراسيم عبادة لنظرائه الآلهة أما الكهنة فلا يتصرفون إلا بتفويض. علم أنساب الآلهة الذي يجعل من ملوك مصر العليا والسفلى منحدرين مباشرة من الآلهة، هو الذي يقلد الحاكم دور الضامن أمام الهباء (الكاوس). الحاكم الملك هو الذي يديم معجزة الخلق المستمرة، ومن أجل هذا السبب على وجه الخصوص كانت المؤسسة الفرعونية هي أساس الحضارة المصرية لمدة أكثر من ثلاث ألفيات.



المصدر:



Jean-Pierre Corteggiani
Le nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011, L’origine du monde


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
وكلّ حيّ من الماء آت
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبير الروح :: الفنون :: الحوار الفكري والإجتماعي والسياسي-
انتقل الى: