عبير الروح

فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بول جوجان.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tousman

avatar

عدد المساهمات : 650
تاريخ التسجيل : 08/05/2011

مُساهمةموضوع: بول جوجان.   الإثنين مايو 30, 2011 8:18 am



تعتبر سيرة حياته؛ من أغرب السير التي يمكن أن تخطر على بال بشر، فالتقلب من البحر إلى الثروة، إلى السمسرة ثم الرسم، ومن حياة مرفهة إلى فقر مدقع، ومن استقرار وحياة عائلية، إلى تشرد ونوم دون غطاء في شوارع باريس، حتى غدا أميراً للمتشردين· ورغم أنه يعتبر اليوم -وبعد مرور قرن على رحيله- أستاذاً وعملاقاً من عمالقة الفن الحديث، إلا أن عالم الفن لم ينصفه في حياته الفنية، وكما تعودنا في استعراض حياة الفنانين العظماء الذين تركوا أثرهم على مسامات الحياة، وأثير سمائها المتجدد، وظلت وجوههم تعلن الحضور كلما غنّت ريشة على ترنيمة لوحة زاهية، وتأبى أن تغيب، ها نحن اليوم نطلق العنان للتاريخ والفن والجمال؛ ليمضي بنا في رحلة فنية مع واحد من مبدعي الزمان الجميل، إنه الفنان الفرنسي ''بول جوجان''، آملين أن نستقصي على عجالة بعضاً من سيرته الشخصية والفنية·
ولد ''بول جوجان'' في باريس عام 1848م، وهو عام نشوب الثورة الفرنسية الثانية، وكان أبوه صحفياً جمهورياً، فلما استولى ''لويس نابليون'' على السلطة ونصّب نفسه إمبراطوراً سنة 1851م، هاجر الأب إلى بيرو بأميركا الجنوبية حيث كان يعيش أقارب زوجته التي ولدت هناك، وقد كانت أم ''جوجان'' ابنة لرسام يدعى ''شازان'' وأمها أسبانية من سيدات المجتمع المرموقات، حيث كانت تنتمي إلى الطبقة الملكية في بيرو، وقبل أن تصل السفينة التي تقل العائلة إلى ميناء ''ليما'' في بيرو، توفي والد ''جوجان''، فعاشت الأم مع أبنائها هناك أربع سنوات، ثم عادت بهم إلى فرنسا عندما بلغ عمر ''جوجان'' سبع سنوات·
وعندما أتم ''جوجان'' دراسته الثانوية؛ انبهر بالبحر، فالتحق بالبحرية التجارية وهو في سن السابعة عشرة واستمر بها حتى سن العشرين· وبعد وفاة والدته عام 1871م هجر البحر واشتغل بالسمسرة، وفي عام 1873م تزوج من فتاة دانمركية جميلة من أسرة ثرية، ولد له منها خمسة أطفال، ليعيش آنذاك حياة اجتماعية ناجحة· وعبر دعوة تلقاها من أحد أصدقائه لزيارة معرض فني؛ بدأت مسيرته الحقيقية مع فن الرسم، حيث كان ''جوجان'' محباً وهاوياً للرسم، فنصحه هذا الصديق بممارسة الرسم في الهواء الطلق أثناء العطلة الأسبوعية·

صالون الخريف

وتحل سنة 1876م، ويقدم ''جوجان'' مجموعة من لوحاته التي رسمها آنذاك للمناظر الطبيعية إلى صالون الخريف الباريسي الشهير، فتم قبول إحداها، فانقلبت حياته رأساً على عقب نتيجة لذلك، حيث تعرّف في هذا الصالون على أشهر رسامي المناظر الطبيعية وعلى أعضاء جماعة التأثريين، وبدأ يشتري لوحاتهم، حتى بلغ ما دفعه في هذا اللوحات 15 ألف فرنك -وهو مبلغ ضخم آنذاك- وقام ''بيسارو'' بتوجيهه في الرسم وشرح له أسرار الفن التأثري، كما عرّفه بالفنان ''سيزان'' وبقية التأثريين، فشاركهم في معرضهم الخامس والسادس، وعندما شاهد الناقد الشهير ''هويسمان'' لوحاته؛ أثنى عليه·
وفي عام 1883م؛ أراد أن يبرهن للجميع أنه يستطيع التفوق والتقدم لو تفرغ للفن، فاحترف الفن واعتزل العمل في مهنة السمسرة، وانتقل مع زوجته وأطفاله إلى منطقة ''روان'' -حيث كان يعيش ''بيسارو''- وهو ممتلئ بالطموح وأحلام الشهرة والمجد، متصوراً أن عمله الفني سيدر عليه دخلاً يعوضه مهنته التي اعتزلها، لكنه لم يربح شيئاً، وتبخرت مدخراته في ثمانية أشهر، ولم يستطع مواجهة سخط زوجته التي أصرّت على السفر إلى عائلتها في الدانمرك، فرضخ لرغبتها وصحبها مع أولاده إلى كوبنهاجن، حيث أتاحت له أسرتها العمل في التجارة، كما أقام معرضاً للوحاته التي رسمها في فرنسا، ولكن المعرض فشل والتجارة أخفقت·
بعد معركة حامية مع عائلة زوجته؛ عاد بولده الصغير البالغ من العمر ست سنوات إلى فرنسا عام 1885م، وهناك عانى الأمرّين لأنه لم يستطع بيع لوحاته لأحد، واضطر إلى العمل في لصق الإعلانات والملصقات في الشوارع، وقضى أيامه مع ابنه الصغير دون طعام أو شراب، وكانا يقضيان معظم ليالي الشتاء الباريسية الباردة مشردين بغير غطاء، وأخيراً جاءت الأم فأخذت طفلها وعادت به إلى كوبنهاجن، وعندئذ بدأت سنوات التشرد في حياة ''جوجان'' واستغرقه الفن تماماً، وانتقل إلى مقاطعة ''بريتاني'' حيث أقام في فندق مخصص للفنانين الفقراء، وهناك عكف ''جوجان'' في عزم وتصميم على تجربة أسلوب جديد في الفن، أكثر حدة وصلابة من الأسلوب التأثري، فاجتذب عدداً من الفنانين الشبان لمتابعته، فكانوا يلتفون حوله للإصغاء إلى نظريته الجديدة، وأثناء ذلك قام بزيارة إلى باريس حيث أقام صداقة مع ''فان جوخ'' وزار الفنان ''ديجا'' في مرسمه·
ويبدو أن البحر اجتذبه مرة أخرى؛ حيث أبحر عام 1887م مع فنان شاب بهدف الوصول إلى جزر المحيط الهادئ عن طريق ''بنما'' التي كان يجري حفرها آنذاك، ولم يجد عملاً غير الاشتراك في حفر القناة لبضعة أسابيع، ثم أقلعا إلى جزر ''المارتنيك'' ولكنهما عادا إلى باريس في العام التالي مفلسين تماماً، وفيها أقام معرضاً ضمّ 20 لوحة من أعماله التي رسمها في جزر ''المارتنيك''، وبيع بعضها بثمن زهيد، ولكنه كان كافياً ليتيح له العيش لصيف آخر، وعندئذ تحول ''جوجان'' تماماً عن التأثرية إلى اتجاه ''رمزي'' أو ''تأليفي''، وإن كان ''جوجان'' نفسه قد سخر من هاتين التسميتين فيما بعد·
ورحل ''جوجان'' إلى ''تاهيتي'' عام 1891م ليعيش في سلام وسعادة وفن خالص، فرسم أكثر من ستين لوحة في عام واحد، إلا أنه مرض وأصابه الهزال، فاضطر للذهاب إلى عاصمة الجزيرة طلباً للعلاج، وبعد بضعة أسابيع عاد إلى كوخه، ولكنه كان لا يزال عليلاً ولم يتبقَ لديه أي مال، وأرسل لوحاته إلى باريس فأثارت إعجاب أصدقائه، إلا أنها لم تجد من يشتريها، واستطاع أصدقاؤه في باريس أن يجعلوا الحكومة تتكفل بإعادته إلى أرض الوطن، فعاد عام 1893م وهو لا يملك فرنكاً واحداً، وساعده الحظ حين خدمه الموت فخطف حياة عمه، فورث حوالي ألفي دولار، فأقام لنفسه مرسماً في ''مونبارناس''، حيث كان يغص كل ليلة بالعديد من الأدباء والفنانين من شتى الطبقات، وبعدها عاد إلى باريس ليبذر أمواله، لينتهي به المطاف مرة أخرى مريضاً وفقيراً في ''تاهيتي''·

ثورة في تاهيتي

من ''تاهيتي'' راح ''جوجان'' يراسل أصدقاءه في باريس طالباً منهم المعونة المادية، بما يساوي 40 دولار شهرياً ليعيش ويرسم، غير أن هذه الفكرة لم تلقَ ترحيباً يذكر، فطلب إليهم بيع لوحاته المعروضة بأي ثمن، فكان يصله بين الحين والآخر مبلغاً ضئيلاً من المال، حتى ضاق ذرعاً بالحياة، وحاول الانتحار أكثر من مرة، ولكنه لم ينجح في الموت كما الحياة، فعمل كاتباً في عاصمة الجزيرة، بينما كان يتفرغ للرسم بالاتفاق مع ''فولار'' أحد تجار اللوحات، ويبدو أن تمرده ظل ملازماً له حتى في تلك الجزيرة النائية، فحكمت عليه السلطات هناك في عام 1903م بالسجن والغرامة، بسبب شجاره مع الشرطة ورجال الحكم لسوء معاملتهم الأهالي، وقبل أن يستأنف الحكم، اشتد عليه المرض وتوفي في مايو سنة 1903م، وحيداً لا يقف بجانبه أحد، فحطم رجال السلطة كوخه البسيط، وباعوا مخلفاته كتعويض للغرامة التي لم يتمكن ''جوجان'' من دفعها، إلا أن ''فولار'' تاجر اللوحات عمل في هدوء على شراء كل ما أمكنه العثور عليه من آثار ''جوجان''، فجنى بعد ذلك ثروة طائلة·

الفردوس المفقود

لقد ترك ''بول جوجان'' أثراً عميقاً في الفن الحديث، وقد تميز أسلوبه بالتنوع في التكنيك، ملون الأعمال كحياته التي سردنا بعضاً منها آنفاً، ولقد أدى شغفه بالفن والحياة الفطرية إلى فقدان ثقته بالقواعد التي قام عليها فن الرسم الأوروبي، وكانت هجرته إلى جزيرة ''تاهيتي''، هي محاولة البحث عن مكان لم تلمسه المدينة حيث الفطرة هي الطابع السائد، فقد كان يعتقد أن هذا المكان هو الفردوس المفقود الذي يبحث عنه الإنسان طيلة حياته، ورغم أن حقيقة تاريخ ''تاهيتي'' يقول أن الحضارة الأوروبية المادية قد دخلت إلى الجزيرة سابقة ''جوجان'' بحوالي نصف قرن، إلا أنه وعبر نظرته الجمالية للطبيعة الحرة، وتأمله العميق في مفرداتها وألوانها، استطاع أن يسجل حياة الجزيرة الفطرية دون شوائب·

متى ستتزوجين؟

ومن أبرز لوحات الفنان التي نجد فيها أسلوبه المتكامل في رؤيته للون والضوء والخطوط؛ هي لوحة ''متى ستتزوجين؟'' التي رسمها قبيل وفاته بعام، وتصوّر فتاتين من ''بولونيزيا''، وقد عالج ''جوجان'' هذه اللوحة بعناية تامة، فهي نموذج واضح لأسلوب ''التسطيح'' الذي يعتمد عدم التظليل، أو إعطاء استدارة الأجسام متبعاً في ذلك أسلوب الفنون الفطرية عند أهالي تلك الجزر، واللوحة -كما ذكرنا- تمثل فتاتين من الأهالي تمثلان قمة الجمال عند أبناء تلك الجزر، يبدو عليهما الطابع المحلي المميز مع مشاعر واضحة في الشخصيتين، وهما تبدوان مكررتين في جلستهما بالعراء تحت ضوء شمس خط الاستواء، بينما يخفق الجو بثراء لوني، وكأن تلك الخلفية تصل إلى حلم ''جوجان'' الباحث عن الأرض المفقودة، وقبل أن نختم رحلتنا معه؛ بقي أن نقول أن لوحات ''جوجان'' تباع حالياً بمئات الآلاف -بل ملايين الدولارات- وتحرص على اقتنائها أعظم متاحف وقاعات العالم، بينما عاش هو حياة لا يحسده عليها فقراء العولمة وشقيقاتها في عالمنا المعاصر، ويبدو أن ذلك هو قدر أغلب الفنانين، حيث يعيشون فقراء ومعوزين ويموتون جوعاً ومرضاً، بينما يحقق من يقتني لوحاتهم ثروات طائلة من بعد رحيلهم·




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بول جوجان.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبير الروح :: الفنون :: الفن التشكيلي والنحث-
انتقل الى: